التوعية السياسية … بقلم /وائل نجم المحامى بالنقض والدستورية والادارية العليا


مما لاشك فيه أن الوعي السياسي يشكل موضوعا مهما في الفكر السياسي من حيث تأثيره في الإحداث السياسية ومعطياتها والمرحلة الراهنة تتطلب يقظة ووعي بالتحديات والتهديدات والمخاطر التي تواجها البلاد، مع ضرورة التوعية بالمشاركة الإيجابية في بناء الوطن في كل الجوانب الاقتصادية والسياسية والمجتمعية، وكذلك التوعية بالمشاركة في العملية الديمقراطية والتوعية السياسية للمواطن لا تعني ممارسة سياسات الأحزاب بل تعني التوعية بحقوقه وواجباته السياسية تجاه وطنه كما يعد الوعي السياسي ضرورة حياتية في المجتمع.
ونظرا لأهمية الوعي السياسي إذا ما توفرت مفاهيمه بصورة علمية وأكاديمية بين المواطنين من حيث تاثيره في القرار السياسي في المجتمع، وتحويل الراي العام الشعبي إلى قوة فاعلة داخل الوطن وخارجه والذي من شانه ان يساعد الافراد على تحليل الواقع السياسي المحلي والدولي بعيدا عن الشعارات والنظرة العاطفية، فنحن بحاجة إلى نظرة المحلل حول القضايا السياسية التي تحدث في بيئتنا اليومية بعيدا عن النظرات السطحية الانطباعية الذاتية الضيقة أن الكفاءة والقدرة على حمل الأمانة وإعلاء مصلحة الوطن يجب أن تكون هي المعيار الأساسي في الاختيار، وأن التصويت للشخص الغير مناسب خيانة للأمانة. من هنا فإننا نستهدف في الأساس المواطن العادي من خلال الاتصال المباشر وغير المباشر معه الأمر الذي من شأنه تفعيل الحوار المجتمعي وزيادة درجة الوعي السياسي لدى أبناء المجتمع عموما.
وكلما زادت مشاكل الدولة وتعاظمت الأزمات المجتمعية واقترب الوضع من الانهيار، ظهرت الحاجة الملحة لتدشين حوار مجتمعي عام وشامل، يتصدى للوضع قبل فوات الأوان ووقوع الكارثة. فالحوار هو سمة حضارية وفضيلة اجتماعية وقيمة أخلاقية، وهو أيضا وسيلة للتواصل والتفاهم لتحقيق المنافع ودرء المخاطر تتجلى أهميته أكثر كلما ارتبط بقضايا المجتمع والسياسة، بالنظر لحساسيتها وارتباطها بالوضع العام والمصير المشترك إلا أن الحوار المنشود لا بد له من بيئة حاضنة وأجواء ايجابية، تخلق الثقة وتزرع الأمل بل اليقين في إمكانية التغيير، خصوصا عند إخلاص النوايا وتوحيد الجهود، وسيادة وعي عام بضرورة العمل المشترك في إطار رؤية واضحة وجامعة تروم تقويض أركان الاستبداد ومحاربة الفساد وتحقيق الحرية والكرامة
ولابد من التأسيس لحوار مجتمعي جدي وهادف يتطلب قراءة الواقع قراءة صحيحة على أساس أرقام وتقارير علمية وميدانية تتحرى الدقة والشمولية وأصالة المعلومة ولان امتلاك المعلومة لن يتأتى إلا بوجود طاقات وإمكانات ذاتية ناجحة، ماديا وبشريا، تكسر حصار السلطة وتعتيمها وبيروقراطية الإدارة ورتابتها، التي تستهدف كل المشاريع التغييرية، والتي تسعى جاهدة لرسم وتسويق صورة مضللة داخليا وخارجيا والتكتم على مظاهر الظلم والفساد داخل الدولة ومؤسساتها فالمعلومة لم تعد خطابا سياسيا أو إيديولوجيا للتهييج ودغدغة المشاعر، ولكنها معطيات وحجج وأدلة تشخص الواقع المجتمعي، وترصد إمكاناته وطاقاته، وتكشف اختلالاته وتناقضاته اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، وتحلل الوضع وتبلور بدائل وحلول غير أن التطور الهائل في المجال الإعلامي والتواصلي والاستعمال الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي، إضافة إلى نشاط المنظمات الدولية الحكومية
وغير الحكومية على مستوى الرصد والتتبع اظهر كثير من الاختلالات والتناقضات وفضح زيف وكذب ما يروج رسميا واعلاميا إن مواجهة الاستبداد وإقامة نظام ديمقراطي تكون فيه الكلمة العليا لإرادة الشعب واختياره، تقتضي وعيا عميقا بأسس هذا الاستبداد؛ سواء السياسية أو التنظيمية أو القانونية وكذا بنياته الاقتصادية والاجتماعية ووضعها في سياقاتها المحلية والإقليمية والدولية مع العمل على نشر هذا الوعي وتعميمه لدعم فرص الحوار وتوسيع قواعده المجتمعية إن التعصب للرأي والتفكير الأحادي وادعاء امتلاك الحقيقة أو الركون إلى رصيد فكري أو ماض نضالي غالبا يكون عائقا أمام التواصل والتفاعل بحيث يبقي الإنسان سجين شرنقة
إيديولوجية وفكرة واحدة تحد من ظهور بدائل متاحة وبالتالي يعجز عن بلورة صيغ للتفاهم والتوافق كما أنه من المغامرة أن يزعم زاعم أن مكونا وحيدا من مكونات الشعب يستطيع مهما بلغ من قوة عددية وعُددية أن يحمل على كتفه أوزار الماضي وكوارث الحاضر وآمال المستقبل إن الأمة لا يمكن أن تواجه تحديات الحاضر والمستقبل إن لم تجمع ما فرقته عصور الخلاف وإنما يمكن ذلك بنصب الجسور، والتعاون الفعلي في جهود البناء،
لتكون نتائج البناء المشترك حافزا على توحيد النظرة بعد حين لا ينبغي أن نؤجل الحوار، ولا أن نستعجل الوفاق، ولا أن نيأس لما نراه خلفنا من أهوال تاريخية وإذا كانت لمسألة الوعي أهمية بالغة ومحورية في إرساء أسس حوار مجتمعي مسؤول يؤمن بالاختلاف والتنوع ويؤسس لبناء ومستقبل مشترك وجامع يحقق الحرية والكرامة والمواطنة الحقيقية للجميع، فإن الاستمرار في هدر الزمن السياسي من شأنه أن يفوت فرصا تاريخية حاسمة للفعل والمبادرة قد يتطلب تداركها في المستقبل مجهودات مضاعفة وتكاليف باهظة ستمتد آثارها لعقود وأجيال

عن Alahlam Almasrih