الزواج والطلاق الإلكترونى فى الشريعة الإسلامية


متابعة /لطيفة محمد حسيب القاضي
بقلم المستشار الدكتور
الســـيد أبو عيــــــطة

يعتبر الزواج والطلاق الإلكترونى أحد إفرازات عصر العولمة وأهم منتجات زمن الرقمية ، وهو المسمى الذى أطلقته عليه منذ عقد مضى من الزمان فى كتابى الشهير الزواج والطلاق فى عصر العولمة بطبعاته المتعددة ، فما هو الزواج والطلاق الإلكترونى وما هو موقف التشريعات العربية منه والآثار المترتبة عليه فى الفقه الإسلامى .
أولاً : الزواج الإلكترونى : عقد الزواج الإلكترونى هو ذلك العقد الذى يبرم بين الزوج والزوجة عبر الوسائل الإلكترونية الحديثة عن طريق الكتابة أو المشافهة ، والوسائل الإلكترونية الحديثة قد تكون كتابية مثل الفاكس أو الرسائل البريدية والإنترنت والإيميلات وقد تكون شفهية مثل الهاتف النقال أو الشاشات الإلكترونية .
ولكن ما هو الحكم الشرعى فى هذا الموضوع : نفرق بين أسلوب التعاقد عن طريق الكتابة وأسلوب إبرام العقد بالمهاتفة او المشافهة . بالنسبة لموقف الفقه الإسلامى من إبرام العقد عن طريق الكتابة . لقد اختلف الفقه الإسلامى حول هذا الموضوع بين مجوز وغير مجوز وذلك على النحو الآتى :
الرأى الأول : وهو مذهب جمهور الفقهاء من مالكية وشافعية وحنابلة ومفاده منع إجراء عقود الزواج عن طريق الكتابة ، ولكن يجوز عندهم إبرام العقد فى حالات الضرورة فقط والتى من بينها حالة الأخرس فقط لأنه ليس لديه القدرة على النطق (1) . وأدلة هؤلاء الفقهاء هى :
* اشتراط الإشهاد على عقد الزواج حين انعقاده وهذا الإشهاد شرط لصحة العقد وهذا الإشهاد لا يتحقق إلا عن طريق المشافهة والسماع .
* كما أن الزواج له خصوصية حيث أنه يجب الإحتياط فيه أكثر من غيره من العقود الأخرى حفاظاً على الأنساب وهو من مقاصد الشريعة الإسلامية .
الرأى الثانى : ومفاده جواز إجراء عقد الزواج عن طريق الكتابة وهو مذهب الأحناف ونحن نؤيدهم فى ذلك وآيات ذلك :
– أنه على الرغم من اشتراط الأحناف الإشهاد فى النكاح كما فعل بقية العلماء إلا أنهم قد جعلوا مجلس العقد هو ساعة وصول الخطاب الذى يحمل الإيجاب إلى الطرف الآخر ، فإذا وصله ودعا الشهود وأطلعهم على الكتاب وأخبر هو بمضمونه وأشهدهم على قبول النكاح فقد جعلوا مجلس العقد هو المجلس الذى يصل فيه الخطاب حكماً ، وعلى ذلك تم الموالاة بين الإيجاب والقبول عندهم ويتم الإشهاد (2) .
وإذا ما عدنا إلى حاشية بن عابدين ، نجد أن الأحناف قد اشترطوا لصحة عقد الزواج بالكتابة الشروط التالية :
– ألا يكون العاقد حاضراً بل غائباً
– أن يشهد العقد شاهدان على ما فى الكتاب قبل إرساله .
– أن يصرح المرسل اليه بالقبول لفظاً لا كتابة ، فلو كتب رجل إلى إمرأة : تزوجتك فكتبت اليه : قبلت ، لا ينعقد العقد فالكتابة لا تكفى بل يلزم الإشهاد من الطرفين (3) .
* إن شهد العقد حين يأتيه الكتاب شاهدان ويعرفهم بواقع الحال ويصرح أمامهم بالقبول . فالمرأة عندما يأتيها خطاب أو رسالة أو كتاب الرجل تقرأ الرسالة على الشهود وتعلن موافقتها أمامهم .
* ونحن نؤيد وجهة النظر الحنفية هذه ونرى فيها إذا كان عقد الزواج الشفهى جائزاً فإنه من باب أولى يكون الزواج المكتوب جائزاً أيضاً ، كما أن هذه الرسالة تعد وثيقة زواج لا تقبل الإنكار فهى ضمان للمرأة عند إنكار الرجل .
 موقف الفقه الإسلامى من الزواج الشفهى عن طريق المهاتفة : ما هو حكم إجراء عقد الزواج عبر الوسائل الإلكترونية الهاتفية ؟ أقول : اختلف الفقه المعاصر فى هذا المضمون بين مؤيد ومعارض وذلك على النحو الآتى :
الرأى الأول : ويرى أنصار هذا الرأى أنه يجوز انعقاد الزواج مشافهة ومهاتفة عبر الوسائل الإلكترونية الحديثة كالهاتف النقال أو الإنترنت ، ومن هؤلاء الفقهاء ونحن معهم فى هذا ، الشيخ مطلق الزرقا والشيخ وهبه الزحيلى وأبو الدبو والشيخ عقلة وبدران أبو العنين بدران (4) .
وأدلتنا معهم فى هذا : أن التعاقد عن طريق الوسائل الإلكترونية مهاتفة يتوافر فيه شرط عقد الزواج ، كالتلفظ بالإيجاب والقبول وسماع كل من العاقدين للآخر ومعرفته به والموالاه بين الإيجاب والقبول ووجود الولى والشهود الذين يسمعون الإيجاب والقبول فيكون العقد صحيحاً .
الرأى الثانى : ويرى أيضاً هذا الرأى أنه يمنع عقد الزواج بطريقة الوسائل الحديثة الناقلة للكلام نطقاً ومنها التعاقد عبر شبكة الإنترنت مهاتفة ، ولقد ذهب الى هذا القول : اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية وأكثر علماء مجمع الفقه الإسلامى بجده .
وأدلة هؤلاء : أن هذا الأسلوب للتعاقد يعتريه الخداع ، وعقد الزواج يجب أن يحتاط فيه ما لا يحتاط فى غيره من العقود حفظاً للزواج وتحقيقاً لمقاصد الشريعة الإسلامية (5) . كما أن عقد الزواج فى الإسلام يلزم فيه الإشهاد لصحته وهو ما لا يتحقق إلا فى الزواج العادى .
والذى يبدو لنا رجحان الرأى القائل بجواز انعقاد النكاح بوسائل الإتصالات الحديثة كتابة أو مشافهة ، فالإشكالات التى أوردها الفقهاء قديماً على إجراء العقد بالمكاتبة حلتها طرق الإتصال الحديثة ، فاشتراطهم الموالاة بين الإيجاب والقبول الذى كان غير ممكن فى الماضى إذا تم العقد عن طريق الخطاب أصبح ممكناً اليوم ، كما أن الشهود يمكنهم الإطلاع على الكتابة لحظة وصول الرسالة ، وإعلان المرسل اليه القبول أمامهم .
وايضاً أن إجراء العقد بين الغائبين لا مندوحة فيه ، فالعاقدان غائبان بأشخاصهما ولكنهما يعقدان عقد الحاضرين يسمع كل واحد منهما الطرف الآخر ، كما يسمعهما الشهود حين نطقهما بالإيجاب والقبول ، فوسائل الإتصال اليوم ألغت المسافات وجعلت الناس كأنهم فى مدينة واحدة بل فى حجرة واحدة .
ثانياً : بيان موقف قوانين الأحوال الشخصية فى بعض البلاد العربية من التعاقد الإلكترونى فى الزواج :
بالنسبة للتعاقد عن طريق الكتابة : لقد أخذت بالتعاقد عن طريق الكتابة قوانين الأحوال الشخصية فى البلاد العربية ويسمى بالتعاقد بين الغائبين . وإذا ما استعرضنا نصوص بعض هذه القوانين ، نجد أن التعبير بالكتابة لديها يعادل فى النسخة القانونية التعبير بالقول . فلقد نصت المادة السادسة فقرتها الثانية من مشروع قانون الأحوال الشخصية الإماراتى على أنه : ” يجوز أن يكون الإيجاب من الغائب بالكتابة فإن تعذرت فبالإشارة المفهومة ” .
ولقد جاء فى المادة السابعة فقرة ج من ذات القانون أن ” إتحاد مجلس العقد بين الحاضرين بالمشافهة حصول القبول فور الإيجاب ، وبين الغائبين بحصول القبول فى مجلس تلاوة الكتاب أمام الشهود او سماعهم مضمونه أو تبليغ الرسول ، ولا يعتبر القبول متراخياً عن الإيجاب إذا لم يفصل بينهما ما يدل على الإعراض ” .
ولقد جاء فى قانون الأحوال الشخصية الكويتى بالمادة التاسعة فقرة ب أنه ” يجوز أن يكون الإيجاب بين الغائبين بالكتابة أو بواسطة رسول ” . وجاء بالمادة العاشرة على أنه يشترط فى الإيجاب والقبول شروط منها : ” أن إتحاد مجلس العقد للعاقدين الحاضرين ، ويبدأ المجلس بين الغائبين منذ إطلاع المخاطب بالإيجاب على مضمون الكتاب أو سماعه بلاغ الرسول . ويعتبر المجلس فى هذه الحالة مستمراً ثلاثة أيام يصح خلالها القبول ما لم يطلب مهلة أخرى أثناء الحوار من أجل الإيجاب ، مهلة أخرى كافية أو يصدر من المسلم اليه ما يفيد الرفض ” وما ورد فى القانون الكويتى مستمداً من قانون الأحوال الشخصية المصرى والسورى .
وفى قانون الأحوال الشخصية القطرى المادة 14 يشترط لصحة الإيجاب والقبول ما يلى فقرة أ : ” إذا صدر منهما عن رضا تام بألفاظ تفيد معنى الزواج لغة أو عرفاً وفى حالة العجز عن النطق فإن الكتابة هى التى يعتد بها فإن تعذرت فبالإشارة المفهومة ” ولقد أخذت جميع هذه التشريعات بالمذهب الحنفى وأنه أيسر فى التعامل فى هذا .
وعلى ذلك ، فإن هذه القوانين تجيز التعاقد عن طريق الفاكس أو الإنترنت لأن هذا العقد قد تم بالكتابة وفق الشروط والضوابط الشرعية . فلقد جاء فى القانون الكويتى للأحوال الشخصية وكذلك القانون القطرى المادة 14 فقرة أ : ” أنه يقع الطلاق باللفظ الصريح أو الكتابة وعند العجز فبالإشارة المفهومة ، ولقد أخذ بنفس الإتجاه القانون المصرى والقانون السورى الموحد للأحوال الشخصية . ولقد رجحنا وقوع الطلاق بالكتابة إذا كانت واضحة وبألفاظ صريحة سواء نوى أم لم ينوى .
التعاقد بالمهاتفة : أما التعاقد عبر الوسائل الإلكترونية مهاتفة فلم تتعرض لها قوانين الأحوال الشخصية فى البلاد العربية لا من قريب ولا من بعيد . أما الفقه المعاصر فهناك من يجوّز ذلك والغالب من لم يجز ، أما الطلاق عن طريق هذه الوسائل ، وأيضاً لم تتعرض له التشريعات العربية لا من قريب أو من بعيد ، أما الفقه فقد أجاز ذلك فعلى المشرع العربى للأحوال الشخصية أن يتدخل لحسم موقفه من هذه الأمور .
– الآثار المترتبة على عقد الزواج بالوسائل الإلكترونية فى قوانين الأحوال الشخصية :
تحديد مجلس العقد : يلزم فى التعاقدات سواء أكانت بين حاضرين أو غائبين أن تكون مشتملة على إيجاب وقبول فى مجلس واحد ، فاتحاد المجلس شرط فى الإنعقاد والغرض من هذا تحديد المدة التى يصح أن تفصل القبول عن الإيجاب حتى يمكن من عُرض عليه الإيجـاب من المتعاقدين أن يتدبر أمره فيقبل الإيجاب أو يرفضه (6) .
ولا يناط باتحاد المجلس ، تواجد المتعاقدين فى مكان واحد ولكن يجوز أن يكون أحدهما فى مكان والآخر فى مكان ثانى ويتم التعاقد عبر الفاكس أو الهاتف النقال مثلاً (7) .
ويراد باتحاد المجلس وحدة الزمن الذي يكون فيه المتعاقدان منشغلان بإبرام العقد وعلى ذلك يكون مجلس العقد في المكالمة الهاتفية هو زمن الاتصال مادام الكلام في شأن العقود , فإن انتقل المتحدثان إلى حديث آخر أو انتهت المكالمة انتهى المجلس .
ومجلس العقد فى العقود الكتابية التى تتم بالوسائل الإلكترونية كالإنترنت والفاكس هو مكان وصول الرسالة على أن ترسل بوسائل الإتصالات الفورية حتى لا يكون هناك زمن فاصل بين الكتابة والقبول .
تحديد مكان مجلس العقد وزمانه : لعله من الأهمية بمكان إبراز أهمية معرفة وتحديد المكان والزمان اللذين أبرم فيهما الزواج :
* انه يترتب على تحديد الوقت الذى ينتج فيه العقد الآثار الشرعية للعقد ذاته .
* يترتب على ذلك أيضاً تحديد نطاق سريان القوانين الجديدة فى هذا المجال على مثل هذه العقود .
* تحديد الوقت الذى لا يستطيع الموجب بعده أن يعدل من إيجابه إذا كان الإيجاب غير ملزم وفقاً لرأى الجمهور .
أما أهمية تحديد المكان تظهر فى ماهية القوانين الدولية والمحلية التى تحكم هذا الزواج خاصة مع اختلاف قوانين الأحوال الشخصية من دولة لأخرى . وتجدر الإشارة فى هذا الصدد أن الشريعة الإسلامية تأخذ بنظرية إعلان القبول فى المعاملات المالية (8) .
لذلك وتيسيراً على المسلمين فى هذا المجال وجوب الأخذ بنظرية العلم بالقبول والتى بموجبها لا بد للموجب أن يعلم بقبول الطرف الآخر ، حتى تزول المنازعات فى هذا المجال وبصفة خاصة إذا تم العقد بالطريقة الإلكترونية . أما إذا كان العقد عن طريق الهاتف فمن الناحية الزمنية يمكننا الأخذ بنظرية إعلان القبول والعلم معاً إلا فى حالة إنقطاع الهاتف فيجب العودة إلى نظرية العلم بالقبول فقط .
أما من ناحية التحديد المكانى لإنعقاد العقد ، فالإشكالية تحدث سواء مشافهة أو مكاتبة ، ولقد اختلفت الأنظمة فى تحديد ذلك ويمكن إيجاز الإتجاهات فى هذا الصدد على النحو الآتى :
إن تحديد مكان انعقاد العقد يعود قبل كل شىء إلى مشيئة العاقدين والتى تقدرها المحكمة حسب الظروف التى تربط الدعوى وأشخاصها . ويتفق تحديد الوقت مع تحديد المكان فى بعض الحالات كلما رأينا يختلف تحديد الوقت عن تحديد المكان فى حالات أخرى . فقد أيد هذا الإتجاه القانون المصرى للأحوال الشخصية فى تحديد مكان وزمان مجلس العقد ، فلقد قرر فى المادة 97 من القانون المدنى على الأخذ بنظرية العلم (9) .
ثالثاً : الطـلاق الإلكترونى :
الطلاق عبر الهاتف : إذا طلق الرجل زوجته مشافهة عن طريق الهاتف النقال وغيره من الهواتف أو عن طريق الكمبيوتر المرتبط بشبكة الإنترنت الدولية ، فإن الطلاق يقع شرعاً لأن الطلاق فى الإسلام لا يتوقف وقوعه على حضور الزوجة أو رضاها أو حتى علمها لحظة صدوره ، كما أنه لا يتوقف على الإشهاد فالطلاق يقع بمجرد تلفظ الزوج به ، ولكن يلزم أن تتأكد الزوجة من أن الذى خاطبها هو زوجها وذلك لأن هناك آثار شرعية مهمة تترتب على ذلك ، مثل العدة التى تترتب على هذا الطلاق (10) .
الطلاق كتابة : إن الكتابة للزوجة بالطلاق عن طريق الحاسب الآلى المرتبط بالإنترنت بالشبكة الدولية فيه خلاف ، فلقد ذهب الظاهرية ومعهم بعض الفقهاء إلى أن الطلاق بالكتابة عامة لا يقع ولا يجوز ويستدلون على ذلك بالأدلة الآتية :
* أن اسم الطلاق قد ورد فى القرآن الكريم على اللفظ لا على الكتابة ، قال بن حزم إن كتب الرجل لإمرأته بالطلاق فليس شىء ولا يقع الطلاق لأن الله قال : “الطلاق مرتان” وأيضاً “وطلقوهن لعدتهن” والطلاق لا يقع فى اللغة بالكتابة لكنه يقع باللفظ فقط (11) . غير اننا نرى مع جمهور الفقهاء إلى أن الطلاق يقع بالكتابة مادامت واضحة ويمكن قراءتها (12) .
رابعـاً : ولكن ما هى الآثار المترتبة على الزواج والطلاق عن طريق الوسائل الإلكترونية المعاصرة فى الفقه الإسلامى ؟
تحديد مكان وزمان مجلس عقد الزواج : إن فقهاء الأحناف قد أجازوا عقد النكاح عن طريق الكتابة ولم يلزموا من وجه اليهم الخطاب بوجود إعلان قبوله بالنسبة لهذا العقد فى مجلس وصول الخطاب كما هو الحال فى العقود الأخرى بل إنهم ونظراً لوقف انعقاده وصحته على تحقيق الشهادة قد منحوا القابل حق مغادرة مجلس وصول الخطاب إلى مجلس آخر يمكن فيه من إحضار من يشهد على قبوله وقراءة الخطاب الموجه اليه بطريقة الكتابة وإعلان قبوله أمامهم .
وعلى هذا يتحقق مجلس عقد النكاح المبرم بين العاقدين وهذه خصوصية يختص بها هذا العقد دون غيره من بقية العقود ، يقول بن عابدين : وذكر شيخ الإسلام جواهر ذاده فى المبسوط : أن الكاتب والخطاب سواء إلا فى حالة واحدة ، وهو أنه لو كان حاضراً مخاطبها فى النكاح فلم تجب فى مجلس العقد أو الخطاب ثم أجابت فى مجلس آخر ، فإن النكاح لا يصح فى الكتاب إذا بلغها وقرأته ولم تزوج نفسها منه فى المجلس الذى قرأت الكتاب فيه ثم زوجت نفسها فى مجلس آخر بين يدى الشهود ، وقد سمعوا كلامها وما فى الكتاب فإنه يجوز الزواج لأن الغائب إنما صار خاطباً لها بالكتاب والكتاب باق لها فى المجلس الثانى ، فصار بقاء الكتاب فى مجلسه وقد سمع الشهود ما فيه فى المجلس الثانى بمنزلة ما لو تكرر الخطاب الحاضر فى مجلس آخر ، فأما إذا كان حاضراً فإنما صار خاطباً بالكلام وما وجد من الكلام لا يبقى إلى المجلس الثانى وإنما سمع الشهود فى المجلس الثانى أحد شطرى العقد (13) .
هذا ولقد علق بن عابدين على هذا الكلام بقوله : ” وحاصله أن قوله : تزوجتك بكذا إذا لم يوجد قبول يكون مجرد خطبة منه لها ، فإن قبلت فى مجلس آخرلا يصح بخلاف ما لو كتب اليها لأنها قرأت الكتاب ثانية وفيه قوله : تزوجتك بكذا وقبلت عند الشهود وصح العقد كما لو خاطبها به ثانية ” (14) .
وعلى ذلك ، فإنه يمكن القول وبضمير مستريح بأنه يمكن إبرام عقد الزواج بأجهزة الإتصال الناقلة للحروف على اختلاف أنواعها ومنها المحمول والإنترنت ، وأن مجلس عقد الزواج المراد إبرامه من خلال هذه الأجهزة ليس هو مجلس وصول الخطاب كما هو الشأن فى العقود الأخرى بل هو المجلس الذى يمكن فيه من وجه إليه الإيجاب من إخطار شاهدين سمعا قبوله بعد قراءة الكتاب أمامهما حتى يكون هذا العقد مستوفياً لجميع أركانه ، وذلك نظراً لإختصاصه هذا العقد بعدم انعقاده أو صحته إلا بعد تحقق الشهادة (15) .
خيارات المجلس والقبول والرجوع : خيار المجلس فى البيوع مثلاً ، فهو أن يكون لكل واحد من المتعاقدين الحق فى فسخ العقد بعد حق الإيجاب والقبول ما دام فى مجلس العقد وهو مذهب الشافعية والحنابلة ومن على شاكلتهم أما خيار الرجوع فهو أن يكون للموجب الحق فى الرجوع من إيجابه قبل أن يتصل به القول خلافاً للمالكية الذين ذهبوا إلى منع رجوع الموجب ما دام المجلس منعقداً ، ويمتد هذا الخيار عند الأحناف والحنابلة ما دام المجلس قائماً إلا إذا أعرض عنها أحد المتعاقدين (16) .
* أما خيار القبول فهو أن يكون للقابل الحق فى الرفض أو القبول ما دام فى المجلس إلا إذا رجع الموجب عن إيجابه قبل قبوله وهو ما ذهب اليه الأحناف والحنابلة على شرط الشافعية فى القبول الفورى (17) ، وخلافاً للعقود الأخرى وخاصة عقود الحق والضمان المالية فإن خيار المجلس عند القائلين به لا يجرى فى عقود الزواج .
يقول بن قدامة المقدسى لا يصح قياس البيع على الزواج ، لأن الزواج لا يقع غالباً إلا بعد رؤية ونظر ، فلا يحتاج إلى الخيار بعده ولأن فى ثبوت الخيار مضرة مما يلزم مهر المرأة بعد ابتذالها بالعقد وذهاب حرمتها بالرد والحاق بالسلع المعيبة (18) .
* أما فيما يتعلق بخيارى الرجوع والقبول فى حالة المهاتفة وما شابهها فليس هناك أى إشكالية فى حالة التعاقد بين الحاضرين لعدم وجود فاصل زمنى وعلى هذا فللموجب حق الرجوع عن إيجابه والتحلل منه فى أى وقت قبل حد القبول ، وللطرف الموجه اليه الإيجاب الخيار فى القبول ما دام فى مجلس العقد فى المدة الزمنية مع وجود الشهود ، فإذا صدر منه القبول لزمه العقد .
* أما فى حالة الكتابة فنرى أنه لا توجد ثمة إشكالية لأن وسائل الإتصال الحديثة تحقق الموالاة بين الإيجاب والقبول فى عقد الزواج .
* أن جمهور الفقهاء القدامى الذين منعوا عقد الزواج عن طريق الكتابة كان منعهم لعدم وجود الموالاة ووسائل الإتصالات الحديثة تحقق الموالاة شفاهة وكتابة على حد سواء .
وخلاصة القول أنه وكما يتم وينعقد النكاح بجميع الوسائل الإلكترونية المعاصرة فإن الطلاق أيضاً يقع بجميع هذه الوسائل ولا فرق فى ذلك بين الزواج والطلاق بل إن الطلاق يقع بالإرادة المنفردة لمن يملكه ولا يتوقف وقوع الطلاق على إرادة الطرف الآخر بل يكفى علمه فقط بوقوعه (19).
الهوامش
(1) أنظر فى عرض هذه الآراء :
– الشرح الصغير ، الدرديرى ، الجزء الثانى ، ص350 وما بعدها .
– روضة الطالبين ، النووى ، الجزء السابع ، ص37 وما بعدها .
– المغنى ، إبن قدامه ، الجزء السابع ، ص339 وما بعدها .
– بدائع الصنائع ، الكاسانى ، الجزء الخامس ، ص138 وما بعدها .
– كتاب الإنصاف ، المرداوى ، الجزء السابع ، ص50 وما بعدها ،
(2) بدائع الصنائع ، الكاسانى ، الجزء الثانى ص231 وما بعدها ، وحاشية الدسوقى ، الجزء الثانى ص221 وما بعدها.
(3) حاشية بن عابدين ، المجلد الثالث ، ص12 وما بعدها . وكذلك بدائع الصنائع ، الكاسانى ، الجزء الخامس ، ص137 وما بعدها .
(4) محمد عقلة ، حكم إجراء العقود بوسائل الإتصالات الحديثة ص113 وما بعدها . وكذلك بدران أبو العينين ، الزواج والطلاق فى الإسلام ص41 وما بعدها .
(5) مجلة مجمع الفقه الإسلامى ، العدد السادس ، الجزء الثانى ص867 وما بعدها . وايضاً فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية ، المجلد الثانى ، ص121
(6) أنظر فى هذا :
د/ عبد الرزاق السنهورى ، مصادر الحق فى الفقه الإسلامى ، الملجد الأول ، ص49 وما بعدها .
(7) ضوابط العقود ، محمود البعلى ، مكتبة وهبه ، القاهرة ، ص149 – 152
(8) نفس المرجع السابق الذكر ،نفس المكان السابق الذكر.
(9) رمضان أبو السعود ، مبادىء الإلتزام ص95 وما بعدها .
(10) انظر فى هذا :
– مغنى المحتاج ، المجلد الثالث ، ص285 وما بعدها .
– المهذب للشيرازى ، المجلد الثانى ، 80 وما بعدها .
(11) المحلى لإبن حزم الظاهرى ، المجلد العاشر ، ص197 وما بعدها .
(12) الروضة الندية فى شرح الدار البهية ، صديق خان ، الجزء الثانى ، ص47 وما بعدها
(13) انظر : حاشية بن عابدين ، الجزء الرابع ، ص100 وما بعدها .
(14) حاشية بن عابدين ، نفس المرجع السابق ، نفس الموضع السابق
(15) حكم التعاقد عبر أجهزة الإتصال الحديثة فى الشريعة الإسلامية ، د/ عبد الرازق الهيتى ، ص78 وما بعدها.
(16) انظر : المغنى لإبن قدامة المقدسى ، الجزء الرابع ، ص7 وما بعدها .
(17) انظر : مواهب الجليل للخطاب ، المجلد الرابع ، ص240 وما بعدها .
(18) انظر : المغنى لإبن قدامة ، المجلد الرابع ، ص7 وما بعدها .
(19) ولمزيد من التعمق حول هذا الموضوع أنظر لنا كتاب الزواج والطلاق فى زمن العولمة، الناشر دار الفكر الجامعى بالأسكندرية، طبعة 2013م.

عن Alahlam Almasrih

اضف رد